حكيم دكار في أوّل حوار بعد عودته عن قراره:
لستُ فنّانا محليا.. واعتزلتُ لإثارة الجدل!
فكّرت في الهجرة لبلد عربي بعد اعتزالي/ لن أترك الساحة فارغة لأشباه الفنانين/ كنت تلميذا شقيّا والفن أبعدني عن الدراسة/ يجمعني مع إخوتي السبعة حب المسرح/ لديّ ولدان ولهما ميولات فنية/ تستهويني أغاني عيسى الجرموني
بروح لا تخلوا من الدعابة، يتحدّث الفنان الكوميدي حكيم دكّار، في أوّل حوار له بعد اعتزاله الفن، عن خلفيات هذا القرار وعودته للساحة الفنية بعمل فنيّ “كبير”، حيث يعترف بأنّه اتّخذ هذا القرار في لحظة غضب ليلفت الانتباه إلى ويثير الأسئلة حول واقع الإنتاج السمعي البصري في بلادنا، مضيفا أنه لم يندم على موقفه وقرّر العودة لأنه لا يمكن أن يعيش بعيدا عن الفن. وفي هذا الحوار أيضا نكتشف جوانب أخرى من شخصية حكيم دكّار.
اسمح لي أن أبدأ معك هذا الحوار بإعلانك المفاجئ، مؤخّرا، بالاعتزال، ثمّ عودتك. ما هي الأسباب الحقيقية لكلي الموقفين؟
قررت الاعتزال في لحظة غضب، وسنّي لم يكن يسمح لي بالمزيد من المغامرة. هذا لا يعني أنني كبير في السن، فأنا لم أتجاوز الأربعين بعد؛ ولكنني فضّلت الابتعاد لكي لا أقع في فخ تكرار نفسي وأقوم بعمل يتنافى مع مبادئي، خاصة وأن لدي جمهور يطالبني بالأحسن دائما، وأنا ضد سياسة “البريكولاج”. أما الوجه الآخر للاعتزال فأردت أن أثير جدلا بهذا القرار، وأعرف ردة فعل الجمهور وأدفعهم إلى طرح العديد من الأسئلة حول واقع الفن والإنتاج السمعي البصري في بلادنا، وحينها سيقول البعض كيف لهذا الفنان الذي تجاوز سنوات الإرهاب حين كانت تحسب للبسمة ألف حساب أن ينسحب فجأة. لا تستطيع أن تطلب من أحد أن يتوقف عن التنفس، فأنا أتنفس من خلال المسرح والفن والتلفزيون، والموهبة هبة من الله ميز بها المبدع عن باقي الناس، وكما يقول المثل “إذا ارتقى الإنسان أصباح فنانا”.
هل هناك دوافع مباشرة، وهل ندمت فيما بعد؟
هناك أسباب مباشرة جدّا؛ تصوّر فنانا لا يتمكن من إنتاج عمل إلا بعد مرور ثلاث سنوات كاملة في كل مرّة، وأنا وجدت نفسي أبتعد تدريجيا بعدما كنت منتجا ومخرجا تلفزيونيا. لست نادما على قرار الاعتزال، كان ذلك في لحظة غضب. ولكن بعد تفكير عميق قررت العودة بعمل كبير إلى الساحة الفنية، فالحياة معركة ولا أريد ترك المكان شاغرا لأشباه الفنانين والطفيليين.
ما هي ردود الفعل التي أثارها اعتزالك؟
لمست ردة فعل الجمهور من خلال الأنترنت، وبعض الأصدقاء في الجرائد، فضلا على ردود الفعل المباشرة من الجمهور الذي ترجاني أن أعود إلى الساحة الفنية، الشيء الذي دفعني إلى التفكير مرة أخرى، فأنا إما أن أكون متفائلا أو متشائلا وهي اختصار لجملة متفائل ومتشائم في نفس الوقت.
فيما فكّرت بعد انسحابك من الفن؟
كنت سأهاجر إلى أي بلد عربي؛ لأننا نقتسم الهم نفسه، واللغة والتقاليد والعادات نفسها أيضا، وقرار هجرتي لا يعني تركي الوطن، وإنما كنت سأحمله معي وأمثّله أحسن تمثيل في أي مكان أذهب إليه، فضلا على أنني كنت سأتفرغ لشركة السمعي البصري التي أديرها، ولكنني لم أستطع بعد ذلك ترك التمثيل لأن السمكة لا يمكن لها العيش إلا داخل الماء. ومن المؤكد أنه إذا وصل الفنان إلى طريق مسدود من الناحية الفنية؛ فإن قرار توقفه سيكون مبررا، وإلى الأبد. أنا لست أهدد هنا.
هل كانت مصر من بين الدول العربية التي قررت أن تهاجر إليها بعد اعتزالك؟
أبدا لم أفكر في مصر، لأن المصريين لا يتقبلون الآخر من الناحية الفنية، هم يقبلون الآخر فقط إذا كان نسخة طبق الأصل عنهم. هم يقولون أن مصر هوليود العرب؛ لكنها ليست كذلك لأن المدينة السينمائية الأمريكية تتقبل جميع الأجناس من كل أنحاء العالم، حتى الفنانون السوريون نجحوا نسبيا فقط في مصر، لأن اللعب هناك مغلق، ولم ينجحوا إلا بعد أن أصبحوا صورة طبق الأصل عن الممثلين المصريين، أما أنا فأريد أن أحمل معي هويتي أينما ذهبت. فكرت في الهجرة إلى إحدى دول الشام أو الخليج العربي، بحكم أن لدي علاقات حميمة هناك.
هل لك أن تعود بنا إلى طفولتك؟
طفولتي سيناريو جميل، فيه من المتعة والإثارة والذكريات، ما يجعلني أحزن على واقع الطفولة اليوم، فبالرغم من نقص الإمكانيات صنعنا عالمنا وأحلامنا من العدم، تربيت في “حي التوت” أعرق الأحياء الشعبية بمدينة قسنطينة وهو الذي أنجب العديد من الطاقات الإبداعية. نشأت في أسرة محافظة، أبي كان خريج المدرسة القرآنية عقبة بن نافع بولاية بسكرة، له كل الفضل في تعليمي مبادئ القيم الإنسانية والأخلاقية. أنا أصغر إخوتي السبعة، كلهم نشئوا على خشبة مسرح الهواة حتى أختي الوحيدة كانت بيننا وأخي الأكبر جمال هو من تعلمنا على يديه مبادئ الفن الأولى، ومشواري الفني لم يأت من العدم، ففقد مررت على كل المراحل التي يجب أن يمر بها الفنان فمن مسرح الكشافة إلى المسرح المدرسي إلى مسرح الهواة، مرورا بالمسرح الشبه محترف إلى المحترف وتمنيت الالتحاق بالمعاهد العليا للفن، ومع ذلك فأنا أعتبر نفسي عصامي المذهب لأن معظم ثقافتي اكتسبتها من المطالعة.
لما لم تكمل دراستك؟
كنت تلميذا شقيا، وكثيرا ما كنت أقود حركات الشغب بالمدرسة بطريقة ذكية فلا يتم اكتشافي، ومع أنني تمنيت أن أكمل دراستي التي فارقتها في الطور الثانوي إلا أن حبي للفن شغلني عن إكمال التعليم، فأنا خلقت للفن ولا شيء غير يمكنه أن يبعدني عنه. في مقابل ذلك عمدت إلى تكوين نفسي بطريقة عصامية، وهذا كله بفضل والدي رحمه الله.
وماذا عن العائلة؟
توفي والدي قبل ثلاث سنوات، وأمي قبل عدة شهور فقط ومن الطبيعي أن تمر بمرحلة فراغ في أسرة تربطها علاقات وثيقة، وما تعلمته من والدي من احترام لأفراد الأسرة الواحدة أعلمه لأبنائي، ولن أخفي بأني لست ملك أسرتي الصغيرة فقط وإنما ملك للجمهور الجزائري، فأنا أدخل بيوت الناس بدون استئذان. من السهل أن يعجب الجمهور بالفنان ولكن من الصعب أن يتبناه، لأن الإعجاب هو وليد لحظة أو عمل معين، ولكن التبني يدوم للأبد، والفنان هو مؤسسة في حدّ ذاته لذلك يجب أن تؤسس لشعبيته ونجوميته.
هل استطعت أن توفق بين عملك وعائلتك؟
الفنان مرهف الحس، وبالتالي هو أكثر اهتماما من غيره بعائلته، غير أن أيامه ليست ملكه هو وحده فقط، فأولاده وزوجته يشقون بعمله. من المؤكد أن أسرتي تفرح كثيرا بما أقدمه من إنجاز فني ولكنهم في مقابل ذلك يعانون من ابتعادي عنهم، حاليا لي ولدان سلسبيل بنت في السادسة من العمر وأحمد رستم في الثالثة، وأعتقد من خلال حركاتهم وطبيعتهم الفزيولوجية أنهم يميلون إلى الفن أيضا، أنا سأعمل جاهدا على تدرسيهم وسأترك الخيار لهم فيما بعد إذا كانوا يملكون مواهب فنية.
بعيدا عن الفن، ما هي المهن التي مارستها في حياتك؟
كل الأعمال التي شغلتها لا تعدو كونها أعمالا موسمية في الصيف كباقي الشباب. كنت مثلا أبيع بعض الأغراض في الأسواق الشعبية، حاولت الالتحاق بتربص للعمل بالمحاسبة بإلحاح من والدي، غير أنني لم أوفق بسبب شقائي، كنت أتغيب عن جل الحصص من أجل ممارسة المسرح، خرجت من مدينة قسنطينة في سن 19 إلى المسرح المحترف ببجاية، وكنت أصغر ممثل محترف في ذلك الوقت، وها هي واحد وعشرون سنة قد مرت منذ ذلك الوقت. الحياة لم تكن سهلة، لذلك على الجيل القادم أن يجوع وأن يبرد للوصول إلى مبتغاة، ولا يجب أن يتجاوز كل تلك المراحل للوصول السريع إلى النجومية، فمن يصعد على سلم من الكريستال، ليس كمن يصعد على سلم من ورق لأن السقوط، سيكون بنفس السرعة التي تم الصعود بها.
هل سمح لك التلفزيون بالمرور إلى خارج حدود الوطن؟
لست ممثلا محليا وأرفض أن أكون كذلك. أنا ممثل على مستوى الوطن العربي لأننا نتقاسم معه نفس اللغة والتقاليد والأعراف تقريبا، وجولتي الأخيرة إلى تونس جعلتني أكتشف أن ليس هناك حدود بيننا، من خلال الترحيب والتسهيلات التي حظيت بها هناك والتي جعلتني أكتشف أنهم أكثر المهتمين بالبرامج التلفزيونية الجزائرية لذلك لا يجب أن نقدّم أعمالنا التلفزيونية للمشاهد الجزائري فحسب وإنما للمشاهد العربي من المحيط إلى الخليج. أنا ابن التلفزيون، لأن أعمالي التلفزيونية أكثر من المسرحية، والفضل كله يعود إليه وهو الذي صنع جمهوري وصقل مواهبي، فبداياتي الأولى كانت في محطة قسنطينة، وهذا لا يعني أنني لا أوجّه إليه بعض الانتقادات، فأنا أوجّه ذلك لزوجتي مثلا حين لا يعجبني الطعام. ونقدي للأعمال الدرامية هو حبي للتلفزيون والدراما.
ألديك سيارة؟
لدي سيارة من نوع “سيترواين سي 4″ أتقاسمها مع زوجتي. السيارة أصبحت شيئا أساسيا في الوقت الراهن، ولم تعد من الكماليات، خاصة وأنها توفر عني الكثير من العناء في نقل الأولاد وقضاء الحاجيات
ما هي الموسيقى التي تسمعها؟
أحب الأغاني التي لها كلمات مهذبة وقوية. أحب الموسيقى الكلاسيكية، لأنني أمتلك أذنا موسيقية، ليس لدي اختيار معين لأي كان غير أنني استمع إلى موسيقى القصبة لعيسى الجرموني وأغاني الشعبي والأغنية الشاوية.
ما هو أطرف موقف عشته خلال مشوارك الفني؟
أعيش كل يوم موقفا طريفا مع المجتمع، إما أن أكون أنا صانعه، أو أكون أحد أطرافه. لا تنس أنني تقمصت شخصية جحا وحجا يجب أن يكون طرفا في كل ما يحدث!.
حوار: نصر الدين حديد
تصوير: علاوة حاجي